الارشيف / الفن / الفجر

طارق الشناوي يكتب: "خرج لكي يعود"

هل محمد خان يساوى مثلًا 24 فيلمًا روائيًا حققها طوال حياته؟ برغم أهمية القسط الكبير من هذه الأفلام والتى أراها قادرة على أن تتنفس الحياة فى الزمن القادم، إلا أن محمد خان الإنسان شكل أيضا حالة إبداعية لا تقل إلهاما.

قبل أسابيع قليلة كنت بمهرجان باريس للسينما العربية، بعد توقف 12 عاما، بمجرد دخولى معهد العالم العربى، وجدت صوت خان يملأ سمعى، وصورته تتجسد أمامى فى جنبات المعهد، ليس فقط لأنه من أكثر المخرجين تواجدا، ولكن حضور خان أى مكان يترك بصمة إنسانية لا تمحى.

فى السنوات الأخيرة كان كثيرا ما يقول لى لدى ثلاثة أفلام، وبعدها (أروح) لأنى عملت كل اللى نفسى فيه، لم أكن أتصور أنها ثلاثة فقط، بين الحين والآخر كان يستبدل أحلامه بأخرى، إلا أنه حافظ على رقم ثلاثة، وعندما أحصيتها وجدتها تسعة، بينها فيلم كتبه أو يضع لمساته الأخيرة الأستاذ رؤوف توفيق، الذى كتب له واحد من أروع أفلامه (زوجة رجل مهم).

أغلب المبدعين يدخلون فى معارك مع الزمن، يهزمهم عندما يفشلون فى قراءة (الشفرة) الجديدة، الفنان إذا لم يواكب إيقاع العصر، يُصبح فى عيون الناس ((أنتيكة))، التعامل مع مفردات العصر لا تعنى أن تتخلى عن قناعاتك، ولا أن ترتدى ثوب غيرك، فقط أن تدرك أنك لا تنزل البحر مرتين، وهكذا محمد خان فى علاقته بالسينما، فى كل مرة يعش الفيلم بروح المغامر، يدخل فى تحدى مع نفسه قبل الأخرين،دائما تراه ابن العشرين فى تمرده على السائد، متابع بشبق للجديد فى السينما على مستوى العالم، وفى رحلتى مع الأفلام والمهرجانات أقولها بضمير مستريح، اكثر ثلاثة عشاق للسينما د. رفيق الصبان ومحمد خان وثالثهم متعه الله بالصحة والعافية الإعلامى الكبير يوسف شريف رزق الله.

آخر لقاء تليفونى بيننا كان قبل الرحيل بنحو أسبوع، كان صديقه الحميم خيرى بشارة فى زيارة له، ووجدت صوت خان يأتينى من تليفون بشارة، وبالطبع اكتشفت اللعبة مع أول (ألو)، لم أكن أعلم أن خان يعانى من مشكلة فى الحركة، المكالمة كلها قفشات وضحكات، حتى جاءنى الخبر الحزين شعرت أن خسارتى مضاعفة، فنان كبير منح الشاشة المصرية ألَقا خاصا، وصديق عزيز سأظل أفتقده طول العمر.

بعد رحلة كفاح فى الحصول على الجنسية المصرية، منحها له المستشار عدلى منصور، رئيس الجمهورية المؤقت، قبل عامين من الرحيل، كنت أتعجب هل هناك بين كل السينمائيين المصريين من هو أكثر مصرية من خان، تنضح كل لقطاته بروح البلد الذى عشقه بإخلاص وهتف بصدق بحبها، فما الذى من الممكن أن يضيفه جواز السفر؟!

خان لا يغضب من أى كلمة تتناول فيلما له، لم يحدث أن فرضت الصداقة أى قيود تُكبل انطلاق القلم، كتبت عن فيلمه ((أيام السادات)) هذا العنوان ((الممثل الغول والمخرج الكسول))، ولم يزد رد فعله على ابتسامة، آخر أفلامه ((قبل زحمة الصيف))، شاهدته فى مهرجان ((دبى))، والتقينا على الغذاء أنا وهو والمخرجة هالة خليل، التى كان يعرض لها فى المهرجان (نوارة)، تحدثنا فى كل شىء ما عدا (زحمة الصيف)، ووصلت الرسالة لخان، وتناولت الفيلم فى مقال نشرته فى هذه المساحة، كل ما فعله أنه بدأ يضخ طاقته فى فيلمه التالى (بنات روز)، وغادر الدنيا قبل استكماله.

قليلا ما التقينا فى القاهرة، أكثر لقاءاتنا خارج الحدود، (باريس) و(كان) و(قرطاج) و(دمشق) و(دبى) و(أبوظبى) و(وهران ) و(مسقط ) و(المنامة) و(الدوحة) و(نيودلهى) و(مالمو) وغيرها ونقضى أغلب أوقاتنا معا، وبعد رحلة فى عالم الكتابة الصحفية تجاوزت ثلاثة عقود من الزمان قرر أن يجمع مقالاته ويوثقها فى كتاب، وأطلق عليه عنوانه الأثير «مخرج على الطريق»، وفى تليفون صباحى منه، قال لى ممكن تكتب مقدمة كتابى، اعتبرتها وثيقة عملية منه على أن لى مكانة خاصة على خريطة قلبه وعقله، كناقد وصديق.

المسافة ليست بعيدة، كما ترى بين الإبداع على الورق حتى لو كان فى مقال أو الإبداع على شريط سينمائى، وهناك محاذير، لو قرر فنان الانتظام فى ملعب الكتابة، أهمها ألا يتورط فى توجيه تلك النافذة الصحفية لتصبح منصة لإطلاق صواريخ ضد كل من يختلف معهم سياسيا أو فكريا أو فنيا، وألا يحيل قضاياه الخاصة إلى قضية عامة.

خان لم يتجاوز أبدا تلك الخطوط الحمراء، تتخلل كتاباته رؤية للجيل كله أقصد جيل الثمانينيات، الذى كان هو عنوانه المضىء، فهو أكثر مخرج امتلك على الشاشة جماليات الصورة وسحرها، كما أنه أكثرهم قدرة لا ستخراج أصدق ما فى ممثليه، ودائما ما يحظى أبطاله بجائزة، فهو يمنح عادة مفتاح الأداء للمثل فى كلمة، تستطيع

تابع الخبر في المصدر ..