الارشيف / الاخبار / عربي بوست

عربي بوست «انتفاضة الصناديق» في تونس.. عودة زعيم المافيا وصعود رجل القانون ضجة الاخباري

مثلت الانتخابات الرئاسية التونسية 2019 محطة سياسية أخرى قطعت فيها الحياة السياسية في تونس مع مواكب التكاذب الانتخابي التي سادت طيلة الحقبة النوفمبرية، حيث كان المنقلب بن علي يدخل السباق لوحده ليفاخر بفوزه صاحب الترتيب الأول ساعة كان منافسوه ديكوراً معاضداً ينافس حزب الحاكم التجمعي في مناشدة بن علي وتزييف المشهد السياسي بتعددية مغشوشة.
 

جرت الدورة الأولى للانتخابات في أجواء تنافسية ليست فقط بين ممثلي مترشحي الائتلاف الحاكم بل بين مختلف أطياف المشهد السياسي حاكماً ومعارضاً، تنافساً بينياً داخل صفوف كل الأطراف المترشحة. 

دخلت المنظومة القديمة السباق الانتخابي متشظية، وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي منافساً لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، مضافاً لهما مترشحون آخرون تقلدوا مناصب حكومية زمن حكم الباجي قائد السبسي وانتموا إلى حزبه نداء تونس، لكنهم انتصبوا لاحقاً لحسابهم الخاص بعيد تشظي حزب نداء تونس وتفريخ عديد «الأحزاب الصغيرة الطارئة» كل ما يميزها عن بعضها طموحات وأطماع شخصية لأصحابها. 

كما دخلت حركة النهضة بمرشح من صلبها لأول مرة بعدما امتنعت عن ذلك خلال انتخابات المجلس التأسيسي أكتوبر/تشرين الأول 2012، والانتخابات الرئاسية 2014. لكن مرشحها لم يكن لوحده إذ ترشح بصفة مستقل كل من القيادي النهضاوي المستقيل من الحركة حمادي الجبالي الذي شغل خطة أول رئيس حكومة زمن الترويكا، وتقدم أيضاً حاتم بولبيار عضو مجلس شورى النهضة المستقيل بصفة مستقل وتقدم أيضاً المحامي سيف الدين مخلوف الذي يمثل وأنصاره جناح الغاضبين عن سياسيات النهضة التوافقية مع المنظومة القديمة بمقتضى معاهدة باريس 2013 أو ما عرف آنذاك بتوافق الشيخين راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي. 

كما تقدم الطيف الديمقراطي الاجتماعي منقسماً على نفسه ممثلاً خصوصاً في المنصف المرزوقي الرئيس السابق ومحمد عبو عن التيار الديمقراطي المتولد من رحم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الحزب الذي قارع الديكتاتورية النوفمبرية موحداً، لكنه تشظى بدوره زمن الترويكا وما تلاها إلى ثلاثة أحزاب واندثر الحزب الأم. مضافاً إلى ذلك ثلاثة مرشحين مستقلين لفتوا انتباه الناخبين كان على رأسهم الأستاذ الجامعي قيس سعيد الذي عرفه التونسيون من خلال إطلالات تلفزيونية تميز فيها بلغته العربية الفصيحة المميزة ودفاعه القانوني عن ثورة شعبه. 

انتفاضة الصناديق

انتخابات قطعت مع نظيرتها التي جرت سنة 2014 محكومة بتزييف أيديولوجي وقح طمس الاصطفافات الاجتماعية الديمقراطية التي صرحت بها نفوس ونصوص من قارعوا ديكتاتورية بن علي، لصالح اصطفافات مدمرة على أساس الهوية بين مزاعم التصدي لخطر الإسلاموية الزاحفة لتدمير ما يسمونه النمط التونسي وبين المتصدين لخطر عودة منظومة الترويع والتجويع النوفمبرية المتنكرة تحت شعارات الدولة المدنية.

فيما جرت انتخابات 2019 محكومة بهاجس فشل المنظومة القديمة التي عادت سنة 2014 تحت شعار إنقاذ البلاد من حكومة الترويكا الغريبة عن عالم الحكم وإدارة الدولة، وأعادوا بموجب ذلك أغلب رموز النظام النوفمبري سيئي السمعة نهباً وتعذيباً بدعوى أنهم كفاءات الدولة الوطنية. فكان الفشل ذريعاً إذ انشغلوا بالصراعات فيما بينهم ونقلوا عدوى ذلك إلى مؤسسات الدولة فكانت الخيبة والغضب الشعبي الذي تمت ترجمته في انتفاضة الصناديق التي أطاحت بيوسف الشاهد ووزير دفاعه المستقويين بمؤسسات الدولة ووسائل الإعلام لترغيب وترهيب الناخبين، لكن هزيمتهما كانت مدوية. فضلاً عن هزيمة مرشح حركة النهضة ومرشحي الطيف الديمقراطي الاجتماعي. 

أما الفائزان بالترتيب الأول والثاني فقد مثّلا أبرز اصطفاف ترجمته ثورة 17 ديسمبر 2010 ساعة هتف الثائرون «التشغيل استحقاق يا عصابة السراق» وشعار «لا لا للطرابلسية اللي سرقوا الميزانية»

إذ مثّل فوز نبيل القروي فوز النموذج المافيوي المستقوي على الدولة والمستفيد من مناخ الحريات التي فرضها الشعب الثائر على الدولة. أصبحت قناته التلفزية منبر دعاية له على مدار الساعة ضارباً عرض الحائط بالقانون، موظفاً جمعية » خيرية» في حملته من أجل الوصول إلى شرائح اجتماعية مغبونة وخائبة على كافة المستويات. وخلال العقود الماضية تمكن من ربط الصلة بهذه الشرائح عبر ما يقدمه من معونات اجتماعية والبقاء على تواصل معهم عبر ثلاثة مراكز اتصال شغّل فيها العشرات من أبناء تلك العائلات المهمشة مما جعله يتصدر نوايا التصويت في كل استطلاعات الرأي، الأمر الذي أزعج الحكومة قبيل الانتخابات ليفاجأ المشهد السياسي بالزج به في السجن على خلفية قضية مرفوعة ضده وليس بسلوك بوليسي كما زمن الدكتاتورية. لكن ذلك لم يمنع أطرافاً عديدة من التحذير من تزامن الزمن القضائي وزمن التنافس السياسي. لكن أجواء سجنه لم تؤثر عليه انتخابياً على اعتبار أن جمهوره الانتخابي في حكم «الأسير» في قبضته ولاء وتعبئة. حتى أن يوسف الشاهد ساعة زار أيام حملته الانتخابية إحدى البلدات المهمشة احتضنته عجوز فقيرة قائلة له «يرحم خليل» تلك العبارة المرتبطة بالمرشح نبيل القروي صاحب الجمعية الخيرية التي تحمل اسم ابنه. مما يعكس حجم التعبئة التي قام بها المترشح المسجون!

أما فوز الأستاذ قيس سعيد فقد مثل ترشحه تذكيراً بكل شعارات 17 ديسمبر المواطنية الاجتماعية السيادية وكشفت عن الدور الرئيس للشباب الذين كان لهم الدور الأبرز في الإطاحة ببن علي، عادوا مرة أخرى للانتفاض ديموقراطياً عبر الصناديق للإطاحة بممثلي السلطة وفرض مرشحهم مرشحاً أبرز إلى التنافس في الدور الثاني. يحدوهم أمل في إيصال من يأتمنونه على مطالبهم التي هجسوا بها ذات ديسمبر ضد بن علي وما تلاه من حكومات منتخبة غرقت في أجواء رطان ديمقراطي شكلي مفرغ من أي التزام اجتماعي سيادي منصت لأشواق المنتفضين شوارع وصناديق. ترى ماذا تخفي الأيام القادمة؟

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا