الارشيف / منوعات / موقع الدستور الالكتروني

الطفل الاستثنائى.. حجازى: تركت الدراسة وهربت من طنطا لسخرية مدرس من أشعارى #ضجة الاخباري

أستيقظ فى الرابعة صباحًا وبعد الإفطار وتناول القهوة أمسك بأوراقى وأبدأ فى العمل حتى العاشرة
جلسات المثقفين لم تشغلنى عن هموم البسطاء والفنان الحقيقى لا يقبل تكرار أفكاره
الفنان الكبير (حجازى)..
هو الرمز الواضح لكل من يبحث عن قدوة يحتذى بها، ومثل يتبعه ويتابعه، وقيمة يفخر بها ويتفاخر، وهو الرسام البارع الذى استطاع- خلال نصف قرن- أن يعبر بريشته المبهرة عن هموم وقضايا أبناء هذا الوطن دون مواربة أو مهادنة، لم يهول ولم يهون ولم يتهاون، لم يزيف ولم يسوف ولم يجامل أو يتجمل.
قال كلمته التى أملاها عليه ضميره الوطنى..
لم يرسم بمرسوم، ولم يبدع بمعلوم، ولم يتهافت على منصب أو جائزة ولكنه عاش حياته زاهدًا جميلًا، وفارسًا نبيلًا، ينطق بلسان البسطاء ويترافع عنهم ولا يترفع عليهم، يعيش ليرسم، ولا يرسم ليعيش، وهو- قبل ذلك- إنسان عادى غير عادى.. تراه فلا ترى غيره، وتسمعه فلا تسمع سواه، يستقبلك فوق أوراقه فتشعر بأنك تنظر إلى نفسك فى مرايا لوحاته، ويستقبلك فى بيته فتشعر بأنك صاحبه وبأن صاحب البيت ضيفك!
لم يكن كاتبنا الكبير خيرى شلبى مبالغًا حينما قام برسم صورة بالكلمات للفنان حجازى تحت عنوان «كيوبيد» قائلًا فى جزء من أجزاء لوحته الفوتوغرافية:
حجازى شخصية إنسانية بالدرجة الأولى غنية جدًا، مستكفية بما لديها من قناعة تحتوى على متاع من الخبرة والتجربة والثقافة يكفى لتفصيل العديد من الرسامين والشعراء والكتاب والحكماء، احتدمت فيه مكونات الشخصية المصرية الأصيلة بريفها وحضرها، لكأنه تمثيل دقيق للحكمة الشعبية المصرية على امتداد تاريخها الطويل.. وأنت حينما تقترب منه وتعاشره- وهذا فى الواقع منال صعب جدًا- فلسوف تكتشف أن الله سبحانه وتعالى لم يخلقه، بل ألفه تأليفًا، وقسمه إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، والفصول إلى عناقيد، فإذا هو كتاب فى الفن والحكمة والإنسانية لا يجيد قراءته إلا ذواقة حريف يعرف كيف يمسك ما بين السطور من أفكار مستترة ومشاعر مغلفة بالفراء الناعم ومعانٍ وقيم كالكريات الزجاجية، قيم يكفى حضورها أمامك لكى تنتقل عدواها إليك.
أرأيتم إلى صورة كيوبيد ملاك الحب الذى يرمى السهام فيجمع فى كل سهم بين قلبين؟
أرأيتم إلى الخيال الشعبى إذ يجسد لهذا الملاك الوارد من فكر تراثى أجنبى صورة واقعية، فيرسمه بالنسيج فوق دواير ناموسيات الأسرة على هيئة طفل بجناحين تتطاير منه السهام؟!
أعتقد أن أى ريفى من جيلنا يذكر هذه الصورة النسيجية على الناموسيات والملاءات وأوشاش مخدات العرائس.. فنان الكاريكاتير حجازى صورة تكاد تكون طبق الأصل من صورة كيوبيد هذه كما تصورها خيال النساجين.
ما رأيت حجازى فى أى مرة، ماشيًا، أو قاعدًا، أو واقفًا، إلا وداخلنى اليقين بأنه قد طوى الجناحين لتوه إذ هو قادم- لا بد- من رحلة عاجلة قام بربط الكثير من قلوب العشاق بمواثيق من النظريات والكلمات واللمسات الدافئة، وتبدو لى ريشته وأقلامه الكثيرة كأنها جعبة السهام قد انفرطت على مكتبه، وأنه سيجلس الآن ليعيد ترتيبها وشحذها وترسيمها على من سيرميهم بها فى المهمة القادمة بعد دقائق ليتضاعف عدد العشاق والمحبين، وليكتشفوا فى النهاية جميعًا قالبًا واحدًا مربوطًا بملايين السهام فى قلب الحبيبة مصر..
فى مدينة طنطا، داخل منزله الكائن بشارع حسان بن ثابت، استقبلنا حجازى مرحبًا.. دخلت أنا وصديقى الشاعر مجدى نجيب نتحسس الطريق إلى غرفة الاستقبال وسط عبارات صاحب البيت المبتهجة المعطرة بحرارة اللقاء، وعلى عكس ما ذكره خيرى شلبى كان الاقتراب من كيوبيد سهل المنال، كان الرجل قد قرر أن يفتح لنا أبواب قلبه قبل أبواب بيته الذى امتلأت حوائطه باللوحات المرسومة على أقمشة الحرير.. وسألته:
■ باستثناء ما تقدمه للطفل العربى من رسومات بمجلة «ماجد» الخليجية، لماذا تحولت منذ سنوات من عازف بالخط واللون والكلمة فى العديد من المطبوعات المصرية إلى عازف عن الخط واللون والكلمة حاليًا؟
- أنا لم أتوقف ولم أعتزل ولم أعزف عن الرسم أبدًا. كل ما فى الأمر أننى أحسست بأنى ناقشت وتعرضت خلال نصف قرن مضى لكل القضايا والموضوعات التى نعانى منها حاليًا. فقضايا الفساد والانفتاح والسلام مع إسرائيل والعلاقة بين الرجل والمرأة.. كل هذه القضايا لم تتغير، لدرجة أن الكثير من الرسومات التى قدمتها منذ ربع قرن تصلح للنشر حاليًا وكأنها رسمت منذ أيام.. هل كنت أستشرف المستقبل وأستشعر ما نمر به الآن قبل ربع قرن مضى؟.. ربما.. هل كانت أعمالى سابقة زمانها كل هذه السنوات؟.. احتمال.. إننى أحيانًا أتشكك فى بعض رسوماتى الحالية ويخيل إلىّ أننى رسمتها من قبل فأمزقها قبل أن تنشر. فالفنان الحقيقى لا يقبل تكرار أفكاره أو تشابهها، ولا بد أن يراجع نفسه لكى لا يتراجع بفنه إلى الوراء.. باختصار.. لقد كنت- خلال السنوات الأخيرة- فى فترة مراجعة.. فترة ترتيب أوراق لا أكثر ولا أقل.
■ ما رأيك فى الجيل الحالى من الرسامين؟
- إنهم مجتهدون ومبشرون ويحاول معظمهم إيجاد أساليب جديدة رغم أنهم يمرون بظروف صعبة. فقديمًا كانت فرحة رؤساء التحرير وأصحاب المجلات بالرسام الجديد لا تقل عن فرحتهم بالكاتب أو الصحفى الجديد.. كان هناك احتضان وتبنٍ للرسامين الجدد، أما الآن فالمسألة مرهونة بقدرة الرسام على اكتشاف نفسه، ومن أبرز رسامى الجيل الجديد الفنان سمير عبدالغنى، لأنه بسيط فى خطوطه، شديد الذكاء فى تناول الفكرة وعرضها بأقل عدد من الخطوط والحروف، وهو من القلائل الذين تستطيع التعرف على أعمالهم، حتى وإن لم يوقعوا عليها، وهى سمة من سمات الرسام الموهوب الذى يستحق الكثير لأنه يملك الكثير.. ويضحك حجازى وهو يواصل:
بمناسبة الحديث عن الاستعجال.. لقد ذهبت منذ أسابيع إلى مزرعة صديق يملك منحلًا للعسل، وفوجئت به يضع على باب المنحل بعض الأوانى التى تضم عصير السكر لكى يوفر على النحل عناء عشرات الكيلومترات التى يقطعها طائرًا لامتصاص رحيق الزهور.. لقد تعلم النحل الكسل على يد صديقى الذى أراد توفير الوقت لصنع العسل، فالنحلة تخرج من الخلية لتجد محلول السكر، على الأبواب بلا جهد أو تعب، ونتيجة لهذا صار العسل بلا طعم وأصيبت شغالات النحل بالبدانة لقلة الحركة، ونفس الشىء يحدث للفراخ البيضاء التى يخلطون علفها بحبوب منع الحمل لتنتفخ وتزداد وزنًا، ليتم ذبحها بعد ٤٥ يومًا من خروجها من البيضة، ونتيجة لهذا الاستعجال أصبحنا نرى دجاجًا منتفخًا بليدًا، بلا طعم، كل هذا بسبب الجشع والاستعجال والرغبة فى المكسب السريع، لقد كان عبود باشا- قبل الثورة- يفنى عمره فى إقامة المشاريع والمصانع ليحقق مليون جنيه، وحاليًا لم يعد رجال الأعمال فى حاجة إلى هذا العناء، فالمسألة كلها يمكن أن تتحقق بالاقتراض من البنوك ليصبح- بين يوم وليلة- من أصحاب الملايين، أى أن رجال الأعمال أصبحوا أشبه بالفراخ البيضاء فى هذا الزمن الردىء!
■ حدثنا عن الرتوش الأولى فى لوحة المشوار الحياتى بالنسبة لك؟
- أنا من مواليد حى «كفرة الجاز» بمدينة طنطا عام ١٩٣٦ ووالدى «إبراهيم محمد حجازى» كان رجلًا بسيطًا، يعمل سائق قطار، ويعول أسرة مكونة من ٩ أبناء، مات منهم خمسة ولم يبق لى حاليًا سوى ثلاث شقيقات، وكان لنا بيت صغير بالقرب من شريط القطار مكون من ثلاثة طوابق على مساحة صغيرة جدًا، وكانت هناك غرفة صغيرة فوق السطح، وأذكر أننى فى سن العاشرة كنت طفلًا صامتًا، منطويًا على نفسى، فسألنى والدى ذات يوم بحب: هل تحب أن تعيش بمفردك؟.. قلت له: أجل، فقال لى بطيبة: يمكنك أن تعيش فى غرفة السطح بمفردك، وإذا أحببت النزول منها لتناول الوجبات معنا كان بها، وإن لم تحب، يمكن لوالدتك أن ترسل لك الطعام إلى فوق.. وعشت فى هذه الغرفة بمفردى.. كنت أحب القراءة، وكان فى آخر الحارة كشك لبيع الكتب القديمة، وكان صاحبه يتقاضى قرشًا مقابل إعارة الكتاب يومًا واحدًا، ويتقاضى تعريفة «نصف قرش» مقابل قراءة الكتاب بجوار الكشك، فكنت أختار أضخم الكتب حجمًا لأقرأه جالسًا على دكة خشبية كان يضعها بجواره لتوفير نصف قرش، وفى البيت كان والدى يقرأ لى- فى أوقات فراغه- بعضًا من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وكان هذا الكتاب هو الوحيد فى بيتنا.. فى فترة الثانوية العامة جربت كتابة الشعر، إلا أن أحد المدرسين سخر منى ونهانى عن كتابته، وفى صباح يوم الامتحان قررت أن أترك الدراسة وأن أترك مدينة طنطا بأكملها، وسافرت هاربًا إلى القاهرة بصحبة صديقى إسحاق قلادة الذى كان يكتب الرواية، ولم أنس أن أكتب رسالة إلى والدى لطمأنته، وفى القاهرة ذهبت إلى مجلة «روزاليوسف» حيث قابلت الرسام الكبير «أبوالعينين»، الذى اقتنع بموهبتى ورشحنى للعمل بالمجلة، ثم قابلت الفنان حسن فؤاد، الذى رشحنى للعمل معه فى مجلة «التحرير»، بل وأعطانى غرفة بالمجلة لأرسم بها.. بعد ذلك انتقل حسن فؤاد إلى روزاليوسف فانتقلت معه إليها، وفى روزاليوسف اقتربت من إحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين وصار لى مكتب وسط مكاتبهم وراتب شهرى٤٠ جنيهًا يكفينى ويزيد على حاجتى، ومن خلال إحسان وبهاء وحسن فؤاد اقتربت من جيل الرواد العظماء، أمثال رخا وكامل الشناوى وحضرت مجالسهم وندواتهم.. ولم تشغلنى جلسات المثقفين عن هموم البسطاء أبدًا.. كان الواقع الاجتماعى الذى عشته ينعكس على كل رسوماتى.. كنت مهمومًا بقضايا الفقر والقهر والجهل والفساد التى يعانى منها الناس الذين أنتمى إليهم، وصار هدفى الأول هو تحويل هذا الفن المشاغب إلى فن شعبى يستوعبه الناس البسطاء ويقبلون عليه، وأعتقد أن الله وفقنى إلى الكثير مما كنت- وما زلت- أتمناه.
■ كيف تبدأ يومك.. هل تقوم بالإمساك بالفكرة قبل أن ترسم.. هل لك طقوس معينة تمارسها؟
- أنا أستيقظ من نومى فى الرابعة صباحًا، وبعد الإفطار وتناول فنجان القهوة أمسك بأوراقى وأبدأ فى العمل حتى العاشرة، وبعد ذلك أتوقف لممارسة حياتى بعيدًا عن أوراقى.. هذه هى طقوسى التى تعودت عليها، والفكرة عندى لا تسبق الرسم، لكنها تأتى معه بشكل تلقائى غير متعمد، وبدون تخطيط مسبق.
■ ما السر فى انتقالك من حى المنيل بالقاهرة إلى شارع حسان بن ثابت بطنطا.. هل هى عزلة اختيارية أم ابتعاد متعمد أم حنين للمنبت؟
- وراء هذا الانتقال قصة.. أنا كما ترى أعيش بمفردى داخل المنزل، وأثناء إقامتى بحى المنيل انتابتنى رغبة ملحة فى ممارسة تجربة «الاستغناء»، فقررت أن أصوم عن الطعام والشراب تمامًا وألا أتناول سوى رشفة أو رشفتين من العصير يوميًا، وقد استطعت الاستمرار على هذا المنوال ثلاثة أسابيع، حتى لم أعد قادرًا على القيام من مرقدى لفتح الباب لمن يطرقه أو الرد على التليفون.. كنت فى حالة ضعف جسدى يمكن أن تقودنى إلى الموت ولكنى- فى نفس الوقت- كنت أشعر بقوة داخلية وسعادة غامرة كلما امتدت هذه التجربة يومًا، الشىء الغريب أن ألوان الأشياء من حولى اختلفت عن ألوانها الطبيعية، صارت ألوانًا فسفورية هلامية ممتعة، ولم ينقذنى من هذه التجربة.. تجرية الاستغناء.. إلا قيام أحد الأصدقاء بكسر باب شقتى وحملى رغمًا عنى إلى أقرب مستشفى، حيث علقوا لى المحاليل التى أعادت إلىّ بعضًا من الحياة التى كنت أفقدها بالتدريج، وسألنى الطبيب يومها: إذا كنت ترغب فى الموت لماذا جئت إلينا؟
فقلت له مبتسمًا: أنا لم أجئ إليكم.. لقد أتوا بى!! بعد تلك الواقعة قررت أسرتى إقناعى بالمجىء إلى طنطا، حتى تتمكن من رعايتى والاطمئنان علىّ، ومنعًا للمتاعب والدخول فى مناقشات وحوارات ومجادلات قررت الانتقال إلى طنطا حقنًا للصداع!!

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا