الارشيف / منوعات

كيف تكتب مقالاً في 13 خطوة بدون معلم


مبدئياً وبوضوح هذا العنوان ليس رمزيًا بل هو مباشر جدًا. هذا المقال متخصص أوجهه فقط لمن يريدون كتابة مقال.
 القواعد الـ 13 لنتفق على مباديء عامة:

المبدأ الأول: لا قواعد حرفية.. نحن لا نتحدث هنا عن المقال التقليدي المكتوب بأسلوب خبري تقريري ممل غالبًا. نتحدث عن كتابة مَرِنة، أقرب للعمل الأدبي، والأدب يختلف عن الرياضيات، لا قوانين صارمة، كل شيء يخضع في النهاية للتذوق البحت.

ولا يجب بالضرورة أن يكون المقال مستوفياً حرفياً لكل القواعد، يمكن النظر للموضوع كأن هذه مقادير الطبخة. لا يوجد طبختين متماثلتين، ولا يجب استخدام كل المقادير في كل طبخة.

المبدأ الثاني: غرض الكتابة هو أن تجذب القاريء من أول سطر إلى آخر المقال، وقاريء الانترنت تحديداً ملول جداً قاسي جداً، بعد أول بضعة أسطر قد يغلقه بكل بساطة.

ستجذبه فقط بأن تقدم له جديداً يدهشه بدون ملل، سواء كانت هذه الدهشة على مستوى الفكرة أو الأسلوب أو المعلومة. الدهشة وعدم الملل هي الأصل في كل شيء.

المبدأ الثالث: التدريب والتراكم. كل من أعرف ممن يكتب جيداً في جيلنا، سواء مقالات أو روايات أو شعر، وصل إلى مستواه عبر تراكم سنوات طويلة من القراءة التي توسع الأفق حرفياً، والتدريب المتواصل.

محمود درويش كان يقرأ ساعتين يوميًا، ويجلس للكتابة كل يوم صباحًا: "تعودت على الكتابة نهارا بين العاشرة والثانية عشر... لا أكتب كل يوم وإنما أجبر نفسي على الجلوس يوميا على الطاولة... لا أؤمن تماما بالوحي، ولكنه إذا كان موجودا فيجب علينا أن ننتظره."، وكان لنجيب محفوظ عادات شبيهة.

التراكم فقط هو ما يمنح الكاتب بعد فترة "أسلوبه" بحيث تميزه من بضعة أسطر بدون أن تقرأ الاسم.

والتراكم فقط هو ما يمنح الكاتب عملية "الخلق الأدبي". الخلق يعني أن تبدأ العمل الأدبي أو المقال فتجده تلقائياً يوجهك إلى غير ما كنت تخططه تماما، وبمستوى أفضل بكثير، كأنه يكتب نفسه بنفسه. منذ سنوات طويلة قال لنا د.أحمد خالد توفيق في ندوة ما أن العمل الذي لا يخلق نفسه بنفسه، ويضطر إلى التفكير فيه وتوجيهه حتى آخره هو دائماً أسوأ ما يكتب. لم أفهمه إلا بعد أن بدأت الكتابة بنفسي.

والآن لنبدأ:

1- اختار الفكرة

أول ركن في كتابة المقال هو الفكرة الرئيسية التي يدور حولها. أفضل الأفكار هي المبتكرة بشكل كامل، مثلا مقال أحمد سمير "أسوأ 50 كتاب قرأتها" لتقديم تحليل لمحتوى مناهج التعليم، أو مقال محمود عزت "ملاحظات غير ثورية عن الثورة" عن فكرة أن الثورة لم تكن موضع اجماع من الشعب، أو مقال عمر الهادي "نحن لا نزرع المولتوف" لنفي السائد عن فكرة الثورة السلمية، أو مقال العبدلله "الفقراء أولاً يا ولاد الكلب" لنفي السائد عن فكرة ثورة شباب الفيس بوك...الخ. هذه كلها نماذج لأفكار جديدة كانت خارج السياق بشكل كامل.

لكن لأن الأفكار الجديدة تماماً قليلة بطبيعة الحال، فالخيار الآخر هو طريقة تناول جديدة لأفكار قديمة.. مثلا مقال محمد الدسوقي رشدي "وطن التسعات الثلاث" عن فكرة تقليدية هي أن السيسي لا يستشير من حوله، أخذ له مدخلاً غير تقليدي بتحليل فكرة التكرارا 999 ألف مرة، ومنها نصحه بترديد كلمة الشورى هذا العدد، أو مقال تامر أبوعرب "انتخبو المشير عبدالفتاح بوتفليقة" الذي تناول فكرة تقليدية هي انتقاد الديموقراطية الصورية، بمدخل غير تقليدي بمقارنة مساري مصر والجزائر.

2 - عَمَّق الفكرة

أسوأ ما يمكن هو أن تطرح فكرة تقليدية، ثم تتناولها بزاوية تقليدية وسطحية .. مثلاً أن تكتب مقالاً يهاجم قيام الشرطة بالتعذيب، فتكتفي بضرب مثال بحالة قابلتها، وتقول إن هذا لا يحدث في أوروبا والدول المتقدمة وشكراً على كده!

تعميق الفكرة يعني أن تأخذها إلى زاوية أخرى أبعد من السطح المعتاد، مثلا البحث عن التفسير النفسي لهذا السلوك، أو توقع ما سيؤدي له في المستقبل ، أو تحليل رؤية عامة الناس للتعذيب ..الخ

3- رِتِب الفكرة

هناك خطأ تقليدي يسقط فيه كثيرون، وهو أن يصمم على قول كل ما يريد داخل نفس المقال، كأنه آخر ما سيكتب في حياته! قد يبدأ بفكرة معينة، وينتقل فجأة إلى أفكار بعيدة تماماً، وحين يعود للأصل يكون القاريء قد نسى. هذا يُظهر المقال مترهلاً أو غير مترابط أو مرتبك.

يجب أن تحافظ على تسلسل منطقي للأفكار في المقال، هناك إطار عام، وهناك أفكار جزئية تتسلسل لتؤدي لبعضها بشكل منطقي وغير مصطنع.

4- العنوان.. "هات رِجل الزبون"

العنوان المبتكر هو أول ما يجذب قارئك.. أسوأ عنوان على الإطلاق هو المكون من كلمتين، مبتدأ وخبر أو نعت ومنعوت، مثل "الخيانة الكبرى" أو "المعركة الأخيرة".

ثاني أسوأ عنوان هو الدال بشكل سطحي على الفكرة كاملة، مثلا "لا للفساد" سيؤدي لعدم فتح المقال مطلقاً لأن الفكرة للوهلة الأولى مكررة إلى حد الملل، مهما كان المحتوى.

5- البداية . "هات رجل الزبون برضه"

أول 5 أسطر من المقال هي أهم ما فيه، وعلى أساسها يتحدد هل سيكمل قاريء الانترنت القاسي مقالك أم سيغلق الصفحة ببساطة.

يجب أن تحتوي البداية على دفعة دهشة خالصة. مثلاً موقف لافت ذو دلالات، أو معلومة جديدة صادمة، أو مقولة مستفزة لأحد الشخصيات

قد تقرأ أيضا