الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

أنا فى سُوهاج ضجة الاخباري

اشترك لتصلك أهم الأخبار

نزلتُ من القطار صباحًا، ولا أتذكَّر أنَّنى أكلتُ أو شربتُ أو جلستُ أو قرأتُ، أو نمتُ طوال السَّاعات التى استغرقها القطارُ فى رحلته الطويلة من القاهرة إلى سوهاج، أحملُ معى ملفِّى الذى سأقدِّمُه إلى الجامعة، ورأسى محتشد بالأسئلة المصيرية، لكنَّنِى كعادتى دائمًا أسبِّقُ الأملَ على اليأس، ولا تعرفُ نفسى الهزيمة أو الإحباط أو الاستسلام. وكانت هذه هى أول رحلةِ سفرٍ طويلةٍ لى فى مصر أو خارج مصر وقتذاك وأنا عُمرى تسعة عشر عامًا.

وسألتُ أوَّلَ عابرٍ أريدُ أن أذهب إلى الجامعة، فقال: لا توجدُ مواصلاتٌ، امشِ على قدميك، وستصل إلى كلية الآداب، مقصدك الذى تريدُه، فقال ببساطة الصعيدى ونُبلِهِ: شَرِّقْ، ثم غَرِّبْ، ثم بعد ذلك قَبِّلْ، ثم بَحِّرْ، وعندها ستجد الجامعة أمامك (كانت كلية الآداب- التى تأسَّست سنة 1975ميلادية- تتبع جامعة أسيوط آنذاك، وحتى وقت تخرجى فى قسم الصحافة سنة 1983 ميلادية، وإنْ كانت قد استقلَّت بعد ذلك، وصارت تُسمَّى جامعة سوهاج، بعدما كثُرت الكليات وتعدَّدت).

شكرتُه ومضيتُ، ولم أفقه شيئًا ممَّا قال فقد نسيتُ ﺍﻟﺠﻬﺎﺕ ﺍلأﺭبع، وهى ﺍﻟﺸَّﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺠﻨُﻮﺏ ﻭﺍﻟﺸَّﺮﻕ ﻭﺍﻟﻐﺮﺏ، التى توضِّح لى معرفة الجهات فى النهار، تلك الجهات التى كُنتُ درستُها فى المدرسة، باستخدام البوصلة أو باستخدام الشمس، فالجهة التى تشرقُ الشَّمس منها هى الشَّرق، والجهة المقابلة لها هى الغرب، ولو وقفتُ ووجهى ناحية شُرُوق الشمس (شرق)؛ فإن الجهة التى خلفى هى الغرْب، والجهة التى عن يمينى هى الجنُوب، والتى عن يدى اليُسرى هى الشَّمال.

هذا ما تعلمتُه وحفظتُه، لكنَّنى الآن مُتعبٌ من السَّفر، ولم أنم منذ أربعٍ وعشرين ساعة، وأحتاجُ إلى دليلٍ، لأنَّ الوقت يمضى سريعًا، وهذا الصباح هو ما سيحسم مُستقبلى، وهو صباحٌ يُعدُّ الأهم فى حياتى، وأنا غريبُ المكان واللسان، وإدارة شُؤون الطلاب ستغلق أبوابها، ولن ينتظرَنى أحدٌ، ولا أريدُ أن أبيتَ ليلةً هُنا فى مدينة سوهاج (كانت الفنادق الموجُودة فى المدينة وقتذاك قليلةً بل نادرة).

أخذتنى الحماسةُ والجرأةُ، وأوقفتُ شخصًا وقلتُ له: أريدُ الذهاب إلى الجامعة، وقبل الإجابة بـ: شَرِّقْ وغَرِّبْ وقبِّلْ وبَحِّرْ، قلتُ له، اشرحْ لى بهذه الطريقة المعتادة: امشِ مُباشرةً، ثم أيسرْ قليلا، ثم على يدى اليمين وهكذا، فضحكَ بطيبةٍ، ما زلتُ أتذكَّرها على الرغم من بُعد السنوات.

فقال للأسف لا توجدُ مواصلاتٌ فى المدينة، وقدماك هُما طريقُك للوصُول، امشِ مُباشرةً ثم أيسِرْ، ستجد كوبرى أخميم (أنُشئ سنة 1949ميلادية، وهو الذى يربطُ بين شرق وغرب سوهاج، ويتوسَّطُ المدينة، وطوله كيلو متران، أنشأته الشركة الألمانية «شركة جوليوس برجر للأشغال العمومية»، واسمُها الآن «بلفنجر بيرجر»، وهى من أكبر شركات المقاولات فى العالم Bilfinger، واشترك فى أعمال الدبس وتركيب الأحجار شركة الحاج لبيب على دياب العيسوى أكبر مقاولى الأحجار فى سوهاج، وانتهت أعمال الكوبرى فى سنة 1951 ميلادية، وافتتحه الملك فاروق، وذلك قبل حركة الضباط سنة 1952 ميلادية).

ثم عندما ينتهى، أيسرْ، وامشِ مُباشرةً، ستجد كلية الآداب عن يمينك، وأنت شاب لن تأخذَ منكَ أكثر من رُبع السَّاعة أو أزيد قليلا.

شكرتُهُ، وبكيتُ، ولا أدرى لماذا أحسستُ أنَّنى غريبٌ، (فلم أكُن اعتدتُ بعد على لهجة أهل الصعيد، الذين عشتُ معهم أنقى وأهم وأجمل أربع سنوات فى عمرى).

ahmad_shahawy@hotmail.com

الاخبار ،وظائف ،عملات وسلع ،الفن ،جرائم بلاد برة، منوعات ،المرأة اسلاميات ،الحوادث ،تكنولوجيا، ثقافة ،صحة ،الرياضة ،أسواق المال

قد تقرأ أيضا