الارشيف / الاخبار / أخبار مصر / المصرى اليوم

جون كاسن يكتب: كيف غيرتنى مصر؟

اشترك لتصلك أهم الأخبار

اللى سمع غير اللى شاف، عند قدومى إلى مصر كسفير، كنت حريصًا على مقابلة المصريين ومشاركتهم حياتهم على طريقتهم سواء كان فى الأكل أو لعب الكورة أو الهزار. وهكذا بدأت رحلة استمرت لأربعة أعوام اكتسبت خلالها بعض أعظم الخبرات فى حياتى.

ماتش الكورة مع العيال فى المنيا والوقوف على الكورة مع رمضان صبحى (ومن ثم السقوط من عليها)، أكل البساريا على كورنيش الإسكندرية، وطبخ الشكشوكة فى مطبخ السفارة. الاجتماع مع قادة مصر والعالم بجوار قناة السويس، وتوزيع تمر الإفطار على سائقى التاكسى فى شارع قصر العينى وشنط رمضان والعيد وفرحته.

والدروس الصعبة فى لغة الضاد التى تستطيع فيها «الشدَّة» تحويل حمام إلى الحمّام.

ومن خلال تواجدى مع المصريين فى الشوارع، والمكاتب، والاحتفالات، وتويتر، وفيسبوك بدأت أرى مصر من خلال عيون المصريين وأفهم ما يريده المصريون لبلادهم وكيف يمكن أن يشاركوا فى رحلة خدمة العالم بموهبتهم.

لقد استمعت إلى الذكريات التى تحطم ثقة المصريين بالأجانب. لذلك، جعلنا سفارتنا تعمل «ع المكشوف». من لديه سؤال من المصريين يمكنه توجيه الأسئلة لنا على موقع فيسبوك والتعرف علينا ومحاسبتنا. والآن عندما أقول إن بريطانيا تدعم المصريين بإجراءات ملموسة، يمكن للناس أن يقرروا بأنفسهم ما إذا كانوا سيصدقوننى أم لا، فهم ليسوا بحاجة للاعتماد على الـ«أى كلام».

خلال سنواتى هنا، رأيت الشباب المصريين من أصحاب الإبداع المذهل، مثل الفتيات الثلاث اللواتى قدمن إلى مسابقة الهاكاثون التى عقدناها وبحوزتهن فكرة لصنع أطباق للأكل من قشر البطاطا بدلًا من البلاستيك. ولذلك، أنشأنا صندوقًا بقيمة مليون جنيه إسترلينى لدعم رواد الأعمال الشباب من أجل خلق فرص عمل وحل المشكلات الاجتماعية. قدم الشباب الكثير من الأفكار الرائعة، ونتيجة لذلك ضاعفنا المبالغ إلى مليونى جنيه إسترلينى. وكنا فخورين بأن نصبح الشريك الأول لمصر فى الرؤية التى تهدف إلى ضمان استفادة الجميع من الإصلاح الاقتصادى.

لقد كنت شاهدًا على موهبة الطلاب الموهوبين الذين يستحقون الحصول على أفضل مستويات التعليم العالمية. أشخاص مثل «منة» فى مدرسة النور فى الإسكندرية، وهى طالبة كفيفة والتى بالرغم من إعاقتها يمكن أن يضرب بها المثل فى امتلاك الرؤية واضحة للمستقبل. شهور بعد مقابلتنا عرفت أن منة أصبحت من أوائل الثانوية العامة. ولذلك، عملنا على إتاحة التعليم العالمى للجميع، وليس فقط للنخبة. ضاعفنا تمويل منح تشيفنينج الدراسية، وقدّمنا برامج دكتوراه للعلماء فى برنامج «نيوتن مشرفة» وبدأنا مِنحًا مع الأزهر لخريجى هذه الجامعة العريقة للاستثمار فى الخطاب الدينى المستقبلى، ودعمنا الوزارة لتجديد الدراسة بمصر، والعمل على استقدام الجامعات البريطانية إلى مصر.

وفى المواقف الصعبة، رأيت قوة المصريين عندما وقف المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب فى جنازات ضحايا الهجمات الإرهابية، وعندما تضامنوا وتعاطفوا معنا عندما تعرضت لندن للهجوم. ومعا، أصبحت شراكتنا لدحر الإرهاب بمثابة العمود الفقرى لعلاقتنا، من خلال مشاركة خبرات الجيش البريطانى والخبرات الفريدة للجيش المصرى.

وكما هو الحال فى أى علاقة، هناك أعمال لم تنته بعد بين بريطانيا ومصر، وما زلنا نواجه اختلافات حقيقية فى مجال السياحة والاقتصاد والسياسة. الشىء المهم هو أننا لا نخفى هذه الاختلافات، فنحن لدينا قناة حوار مفتوحة دائمًا للحفاظ على صدق علاقتنا وقوتها من أجل معالجة القضايا الهامة.

وأثناء هذه الرحلة، وصلنا إلى نوع جديد من الدبلوماسية الحديثة -الدبلوماسية الشعبية، وليست النخبوية فقط. فى العالم الحديث، لا تستطيع الحكومات تحقيق كل شىء بمفردها. يتطلب التغيير الحقيقى العمل، كما يتطلب مشاركة المجتمع المدنى، فالملايين من المواطنين مصحوبون بأفكارهم وطاقتهم، ومسؤوليتهم فى محاسبتهم لنا.

لذا حاولت الاستماع إلى المصريين، والتعلم منهم، والتنفيذ من أجلهم. عندما تنجح مصر تنجح بريطانيا. لذلك كان من الطبيعى بالنسبة لى أن أنظر إلى ما وراء أروقة السلطة التقليدية، كان يجب أن أنظر إلى 100 مليون نسمة الذين يشكلون ثروة مصر الحقيقية. واكتشفت سبلًا جديدة للحوار وشراكات جديدة أكثر ثراءً من أى وقت مضى.

مصر هتوحشنى. هيوحشنى أهلها وأكلها. هتوحشنى الدوشة وحرارة الشمس والأصحاب وكلمة «منوّر يا باشا» من الناس فى الشارع. هيوحشنى سؤال «هو انت بجد السفير البريطانى؟» و«هو انت بجد وقفت ع الكورة مع رمضان صبحى؟»، ولما يوقفوننى ويقولوا لى «ممكن ناخد سيلفى معاك؟».

بس مهما رحت وسافرت، مصر هتفضل معايا بروحها. مصر تركت بصمتها على أسلوبى الدبلوماسى. تجربتى فى مصر علمتنى وقدمت لى نوعا جديدا من الدبلوماسية. ليس فقط دبلوماسية المعاملات - البيانات المتبادلة والصفقات بين الحكومات-ولكن أيضًا دبلوماسية التغيير- التى تهدف إلى إحداث تغيير جذرى ومستمر، والوصول إلى القوة الحقيقية التى تأتى من الاستماع إلى الناس، والسماح لهم بالقيادة، وعرض الشراكة عليهم وتقاسم قوتنا معهم.

* سفير بريطانيا فى مصر

قد تقرأ أيضا